عاشت سيدة جليلة حشيمة في قرية من القرى البحرية الساحلية في بيت صغير مجاور للبحر وسيفه ،ترملت بعد أن عاشت سنوات شبابها مع زوج صالح وفي لم يقدر لها الله - سبحانه وتعالى - أن تنجب منه ، وقد ترك لها بعد وفاته بيتها الصغير ومسكر سمك تتعيش منه .
اشتهرت هذه السيدة الجليلة برجاحة العقل ودماثة الخلق وحبها الشديد للناس بغض النظر عن مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية ، إضافة إلى صفة الأمانة وكتمان الأسرار مما أكسبها مكانة عاليةعند أهل قريتها ، رجالهم ونساءهم ، فكانوا يودعون عندها أموالهم من نقود وذهب عند السفر .
وكان من عادة الناس في الماضي أن يضعوا نقودهم التي كانت مسكوكة - وليست ورقا كما هو الحال اليوم - أو ذهبهم في "أصرة " من القماش مربوطة ربطا محكما ومعلمة بعلامة يعرفها صاحبها ويطلع عليها أم ناصر آمنة التي ستحفظها له .
لأم ناصر عادة غاية في الالتزام والارتباط بالخالق سبحانه وتعالى ، كانت لها لازمة قولية اعتادت عليها واعتاد الناس على سماعها منها هي قولها في كل أحوالها ( يا ستّار ) .
في هذه القرية عاش شاب طائش سمع كثيرا عن أم ناصر ، وظن أن الناس يجاملونها كثيرا عند وصفها بأمينة الفريج وكأن نفسه قد دخلها الحسد منها ومن سمعتها مقارنة به وبطيشه ـ فسولت له نفسه أمرا .
كان ميسور الحال فأخذ مجموعة من النقود وصرّها في صرة حمراء وربطها ربطا محكما وذهب بها إلى أم ناصر .
إستأذن بالدخول مصوتا ومتحنحنا ومسلّما كالحمل الوديع .
سمحت له أم ناصر بالدخول ، فذكر لها أنها أم من أمهاته اللواتي يعتز بهن ، ولأنه على سفر فسوف يودع ماله عندها .
هلّت ورحبّت أم ناصر به وعرضت عليه القدوع فاعتذر باستعجاله حتى يلحق أصحابه المسافرين معه.
خرج واختبأ خلف البيت الصغير منتظرا خروج أم ناصر فلما تأكد من ذلك دخل الحجرة الوحيدة في البيت ذات الأرضية الترابية وأخذ يبحث عن صرته .وجدها في حفرة عميقة تحت المدّة التي وضع فوقها صندوق أم ناصر الحديد الذي تضع فيه حاجياتها .
أعاد كل شيء على حاله وخرج بسرعة وهو يقول في نفسه : سوف أطالبها بما لي عندها عندما أعود من السفر .
ركب سفينة السمبوق مع أصحابه وهو فرح بنجاح خطته ، ووقف على فنة المركب سارحا بفكره يتصور موقف الناس من أم ناصر إن عرفوا أنها لم تحفظ أمانته ، وكان يقلب صرته بين يديه أثناء ذلك ، فحدث ما لم يكن بحسبانه ، لقد هبت ريح قوية جعلت السفينة تتأرجح ففرطت الصرة من بين يديه ووقعت في البحر .
نظر متحسرا إلى صرته وهي تغوص في الماء ، ولكنه استرد أنفاسه قائلا في نفسه :بعد عودتي سأطالبها بصرتي .
مضت الأيام والشهور وعاد الشاب الطائش من رحلته ، وتوجّه إلى بيت أم ناصر مباشرة مطالبا بالصرة وهو منفوخ الصدر مبتسما في داخله للنصر الذي يتوقع أن يحققه .
وكانت المفاجأة الكبرى التي جعلته يفتح فاه كالأبله عندما أحضرت له أم ناصر الصرة نفسها .
جلس جلسة سريعة كالواقع من مكان عال واضعا يديه على رأسه باكيا قائلا :أسألك بالله إلا قصصت علي كيف رجعت الصرة إليك فقد كنت أنا من سرقها لأشوه سمعتك لطيشي .
قالت أم ناصر :بعد أن سافرت أنت بيومين جمعت من المسكر مجموعة من السمك كان بينها ( نغاق ) بعت السمك كله واحتفظت بالتغاق لطعامي ، فلما فتحت بطنه لأنظفه وجدت فيه الصرة ، عرفتها ولكنني شككت فيها ،إذ لم يسرق أحد من قبل أماناتي .
جررت صندوقي وفتحت حفرة الأمانات فوجدت أن أمانتك ناقصة ، حمدت الله الستّار وأعدتها بعد تنظيفها وتجفيفها إلى مكانها .
بكى الشاب ما شاء الله أن يبكي ، واعتذر لأم ناصر وقبل رأسها
وقال لها : أنا من اليوم إبنك بل عبدك المطيع .
وبنى للمرأة الأمينة بيتا جديدا سكن فيه معها كأم لا يرد كلام ،تأمر فتطاع وتطلب فيلبى طلبها .
حزاة مرت عليها ربما قرون ولكنها تحفل بزخم ثري من القيم الدينية والإجتماعية والثقافية ، وكأنها حدثت بالأمس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق